شجرة الأمل أمام شوك الهزيمة

0
37

 

كتبت: الدكتورة هبة حدادين، مدربة وخبيرة جندر

حينما يصاب أحد ما بالسرطان تستحيل حياته إلى جحيم، لكن حينما يخرج المرضى بذرة الإرادة من مخبأها ويزرعونها في عقلهم الداخلي سيكتشفون أنهم انتصروا وذهبوا إلى غايتهم في الشفاء.

 

في العام الماضي، شعرت بألم مفاجئ في ظهري، ومثل أي إنسان عادي اعتقدت أن هذا مجرد ألم عابر ولم اذهب إلى الطبيب. مع ازدياد شدة الألم زرت أكثر من طبيب لعلني أجد الحل، لكن كل واحد منهم كان يصف لي دواء مختلفًا ويشخص حالتي بعيدًا عن مرض السرطان. ساءت حالتي الصحية؛ إذ امتد الألم إلى رجلي إلى أن ما عدت قادرة على المشي، مما أصابني بكثير من الخوف والأسى.

 

في تلك الفترة خضعت لفحوصات طبية، وصور إشعاعية لم تظهر شيئًا. حينما ازدادت شدة الألم طلبت الخضوع لصورة رنين مغناطيسي، فرأى الطبيب أن عمري صغير لأخضع لها، لكنه وافق بعد إصراري الشديد على الخضوع لها. انتظر واترقب نتيجة الصورة يومين، سيطر علي خلالهما توتر كبير وفقدان للرغبة بالنوم. حيث بدا النوم مرعبًا وحمل في طياته الكثير من القلق والترقب. أتت النتيجة؛ ما زلت أتذكر ملامح زوجي وهو يتلقى مكالمة هاتفية من الطبيب؛ إذ تغيرت ملامح وجهه، وبدا لي حزينًا أكثر من ذي قبل. وضع الهاتف جانبًا ثم تنهد بحرقة وقال لي بصوت خافت: (أنت مصابة بالسرطان). ما زلت أتذكر صرختي التي دوّت في بيتي لأنني لم أُصدق ما سمعته أُذناي، انتابتني حالة من الذهول الشديد!

كانت صدمة كبيرة؛ فمجرد ذكر هذا المرض الخبيث يصيب من يسمعه بالتوتر، فما بالكم لو وصلتكم نباء اصابتكم به!

على قدم وساق، بدأ زوجي بإجراء المعاملات اللازمة لبدء العلاج في مركز الحسين للسرطان. قمنا بإعادة إجراء الفحوصات، بأخذ خزعات من الصدر والحوض والعظم، اتباعًا لبصيص من الأمل في أن هناك خطأ في النتائج، لاسيما وأن الأطباء في بداية الأمر لم يتمكنوا من تشخيصي إلا بعد أخذ مثل هذه الخزعات.

بعد رحلة شاقة ومضنية تبين أنني مريضة في الغدد الليمفاوية؛ بسرطان في مرحلة رابعة متقدمة. في البدايات العالج، كانت حياتي مقتصرة على التنقل بين البيت والمستشفى فقط؛ حياة محصورة فقط بين أربعة جدران بينهما سرير تزوره ممرضة وطبيب، ولا يُسمع فيه إلا صوت الأجهزة الطبية. كنت منعزلة اجتماعيًا؛ فلا مكالمات هاتفية ولا زيارات عائلية فاحتلني التعب. كنت كطفلة حزينة أبكي باستمرار، وأرغب بالعودة للبيت وكرهت المستشفى، لكن طبيبي كان متعاطفًا معي جدًا يداريني حتى حينما أخاف من أخذ عينة دم من يدي.

أتعبني روتيني بين البيت والمستشفى رغم وجود يوم ترفيهي استريح فيه، فأمضيه وأنا نائمة وفاقدة لقواي، بينما الجميع حولي يكللهم الحزن وفقدان الأمل. لقد سمعتهم وهم يتوقعون يوم وفاتي، تألموا لذلك أكثر مني. لا أنكر أنني حينما سمعتهم يقولون ذلك صُدمت من جديد وشعرت بأنني فعلًا انتهيت. فهم لم يخبروني أن مرضي في المرحلة الرابعة! قالوا أنني في المرحلة الثانية وما هي إلا شهرين وأعود لحياتي الطبيعية. التفكير بالموت أمر مريع لأي إنسان، لكن الاستسلام لهذا الهاجس هو الموت بحد ذاته لهذا قررت حينها أن أتحدى ما أنا فيه وأتخذ قرارا حاسمًا وهو أن أعود إلى عملي وأتحدث عن الحياة وفن إدارتها! كان علي أن أواجه أهلي، لكن قبل ذلك طلبت من إدارة عملي أن أعود كما كنت فاستغربت مسؤولتي وتساءلت “هل لديك طاقة على التدريب؟” فأكدت لها ذلك. انتقلت للمواجهة الكبرى مع عائلتي، فسمعت منهم الكثير من عبارات الاستغراب والخوف من أن صحتي لن تسعفني في الذهاب إلى محافظة المفرق والوقوف لساعات أمام المتدربين. رفضوا عودتي إلى العمل بشدة؛ إذ كانوا يعتقدون أنني سأذهب لأجل المال. لكنهم صمتوا برهة حينما قلت لهم، وبهدوء من يسعى إلى الشفاء، أنني ذاهبة إلى العالم الذي أحبه، فهل تحرموني مما أحب؟ حدثتهم في ذلك اليوم عن سجني بين الجدران الأربعة، وعن تعاطفهم وخوفهم الذي كان يملؤني بمشاعر سلبية لن تنقذني من مرضي. مضت تلك الليلة التي حملت الكثير من الرفض الذي لم عن التجهز في الصباح للخروج إلى العمل. عند باب البيت، كان زوجي يقف وعلى فمه كلمة لا، لكن ملامح وجهي ارستمت بكلمة نعم؛ وهي الكلمة التي شرعت لي باب البيت وباب الحياة فخرجت.

عندما وصلت عملي، قلت للمتدربين أنني سأتحدث إليهم وأنا جالسة ولم يمانع أحد. رغم التعب الذي كان ينتابني، إلا أنني كنت أشعر بشجرة تنمو في مكان ما من روحي، وأن ثمة سعادة كانت تلوح لي بالأمل، سعادة مردها أنني امرأة لا أستسلم بسهولة، ولا بد لهذا المرض أن يُهزم أمامي. رأيت بعيني ذاكرتي كيف يتراجع المرض في أول خطواته.

استمر التدريب لخمسة أيام متتالية. لم أخبر عائلتي بما شعرته بتعب في تلك الأيام، ولا ببصيص الأمل الذي ما انفك يلوح لي. كنت أتصرف كما لو أنني لست مريضة، وكانت أول بوادر هذا الأمل الجديد أنني نسيت مرضي كليًا، وما عدت أذكره إلا حين ترسل لي المستشفى رسالة تذكرني بموعد العلاج الكيميائي! مضت الأيام على ذلك النحو المبشر إلى أن شفيت، نعم لقد شفيت!  من هنا بت أؤمن أكثر أن التفكير الايجابي والروح الايجابية داعمان للصحة الجسدية. تعد رحلة علاج العديد من مرضى السرطان تجربة ملهمة للذين تحدوا المرض بالتصميم والإرادة لقوية، والذين استطاعوا أن يتعايشوا مع واقع المرض حتى يتجاوزوا محنتهم. تعد الحالة النفسية لمرضى السرطان من أهم مقومات شفائهم ونجاح علاجهم؛ حيث أن إرادة الشفاء بداخل الانسان هي العامل الأساسي الذي يحفز الجهاز المناعي لكي يتصدى ويقضي على هذا المرض. إحساس مرضى السرطان بالهزيمة واليأس من شفائهم يؤثر بالسلب على صحتهم، وقد يجعلهم هذا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

يمكنكم التواصل مع الدكتورة هبة حدادين على

hhaddadeen@yahoo.com

اترك رد

الرجاء ادخل تعليقك
الرجاء ادخل اسمك هنا