الإيمان .. إرث الأجيال على مر الزمان

0
561

وجهات نظر إسلامية ومسيحية حول صحتنا الروحانية

xx

كتبت: نور سعادة، وجهة نظر إسلامية

xx

في هذا العدد، تسلط كاتبتا زاوية روحانيات نور سعادة وسونيا سلفيتي الضوء على أعظم إرث يمكننا تقديمه لأطفالنا وأحفادنا: ألا وهو الإيمان.

xx

نحن نعيش في زمن تحكم فيه التكنولوجيا، فلم يسبق أن انتشرت وسائل التواصل التقنية بهذا الشكل خلال العقود الماضية. إذ أذكر أنه خلال طفولتي لم يكن هناك ما يعرف بالإنترنت أو الهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي، ولم نشهد حينها هذا الانتشار غير المعقول للشخصيات المؤثرة في كل مكان على مختلف المنصات عبر الإنترنت. ومع ذلك، أصبحت هذه الأمور هي ما يتعامل معه أطفالنا اليوم بشكل يومي.

xx
وبدورنا كأمهات وآباء، فنحن نسعى جاهدين لتقييد تعرض أطفالنا للتكنولوجيا، التي لا تنفك تبهرنا بالابتكارات المتطورة يومًا تلو الآخر. وفي حين نكافح نحن لمواكبة كل هذا التطور، يفاجئنا أطفالنا بمهاراتهم في تعلم كل ما هو جديد في غضون دقائق.
وبالطبع، لا يمكننا إنكار فضل التكنولوجيا وقدرتها المدهشة على إتاحة الوصول الفوري للمعرفة على مدار الساعة. إذ أصبح بإمكان الجميع اليوم البحث في محرك البحث الأكثر شهرة، جوجل، عن إجابات لكل ما يطرأ على أذهانهم والحصول على رد شافٍ في غضون ثوانٍ معدودة.
ومن الجوانب الإيجابية المذهلة لهذه الثورة التكنولوجية هي جعلها العالم كقرية صغيرة يتصل أبناؤها ببعضهم البعض بنقرة زر عبر تطبيقات مثل “فيس تايم” و“واتساب” وغيرها بحيث تسمح لنا هذه الأدوات بالتواصل اليومي، حتى الساعة، مع أحبائنا في كافة أنحاء العالم.
فعندما نحصل على ما نريده من إجابات لكل سؤال وحاجة بكل يسر وسهولة، نبدأ حينها في التفكير أنه بمساعدة التكنولوجيا، يبدو الإنسان قادر تمامًا على فعل كل شيء.

xx
نحن بحاجة لله دائمًا
يقول الله في كتابه العزيز: “لِّـئَلَّا يَعلَمَ اَهلُ الكِتبِ اَلَّا يَقدِرُونَ عَلى شَىءٍ مِّن فَضلِ اللّهِ‌ وَاَنَّ الفَضلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤتِيهِ مَن يَّشَاءُ‌ وَاللّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ” سورة الحديد (آية: 29). وهنا يذكرنا الله تعالى بأننا نبدأ في الاعتقاد بأن الحياة الدنيا مجرد لهو وتسلية، وزينة وتباهٍ، وتنافس في المال والأولاد. ثم يذكرنا الخالق بأن هذه الأشياء هي ملذات مؤقتة وستتلاشى قريبًا. فيشبه تلاشيها جفاف المحاصيل في نهاية الصيف. فهما علا الإنسان وبلغ في هذه الأرض، لا بد له أن يموت وهو حق عليه.

xx
وعلى الرغم من كل التقدم التكنولوجي، إلا أن ذلك لم يمنع عنا الحزن، ولا يزال يصاب أحباؤنا بأمراض فظيعة ويموتون في سن مبكرة. علاوة على ذلك، أصبحت معظم الوظائف تزول واحدة تلو الأخرى بسبب الذكاء الاصطناعي، وباتت الثروات تكتسب وتُفقد في غمضة عين. حتى المعرفة التي بذلنا جهوداً جبارة لاكتسابها باتت تتسلل من بين أيدينا.

xx
لذلك، يذكرنا الله باستمرار بهذه الأمور تحديداً في نصوص قرآنية واضحة، فيخبرنا على الدوام أن نكون شاكرين لنعمه، وصابرين في الابتلاءات، وأن لا نغترّ بما لدينا أو نحزن على ما مضى منا.

xx
إلا أن أبنائنا لم يدركوا بعد حقيقة أننا بحاجة الله دائمًا وأبدًا. فمع التقدم البشري، باتت أعيننا ملتصقة بالشاشات لدرجة أننا نغفل عن التأمل في العالم من حولنا حيث تنتشر آيات الله وشواهد عظمته. فترانا نعجب بصورنا المأخوذة بالكاميرات والمعدلة بأحدث البرامج، ولكننا ننسى أن نعجب بجميل صنع الله ومعجزته الخلقية: البشر. ربما تستطيع التكنولوجيا محاكاة أبصارنا وأسماعنا وإحساسنا وأصواتنا في يوم ما، ولكنها ستظل دائما عاجزة أمام قدرة الله تعالى.

xx
لنتحدث إلى أبنائنا
لنحاول قدر الإمكان قضاء الوقت مع أبنائنا، والتحدث إليهم بمعزل عن التكنولوجيا، والاجتماع بهم في نزهة في الهواء الطلق أو على شرفة صغيرة حيث يمكننا رؤية السحب والاستمتاع بشروق الشمس ومشاهدة القمر وسط السماء. وفي هذه الأثناء، لنحثهم ونحث أنفسنا على الإعجاب بخلق الله في كل لحظة من حياتنا.

xx
ولنتذكر دومًا أننا لولا هدى الله وتذكيره لنا على الدوام بتقواه والتفكر في خلقه لما اهتدينا إلى الحق.

xx

يمكنكم التواصل مع نور سعادة على noorsaadeh1989@gmail.com


xx

كتبت: سونيا سلفيتي، وجهة نظر مسيحية

 

ططعلى مر العصور والأزمنة، كرّس الآباء والأجداد حياتهم لنقل إيمانهم ومعرفتهم وحكمتهم الوارفة إلى أبنائهم وأحفادهم. فسواء اقتصر ذلك على نقل تقاليدهم العائلية أو مشاركة الحكمة التي اكتسبوها من واقع خبراتهم الحياتية، فلا شك أن لدينا جميعًا مكانة خاصة في قلوبنا لهذه الكنوز الثمينة. كما يزداد تقديرنا لها مع تقدمنا في العمر.

xx
كنز لا يقدر بثمن
لا يمكنني إخفاء سعادتي بكوني المستفيدة الأولى من هذا الكنز العظيم الذي ورثته عن أجدادي. وبقولي كنز، فأنا لا أعني هنا ذاك النوع من الكنوز المكدّسة في البنوك أو صناديق الإيداع، بل هو أثمن من ذلك بكثير، فلا يمكن لأحد سرقته مني: أجل إنه الإيمان. الإيمان بالربّ والمخلص القدير، في السراء والضراء.

xx
الإيمان هو ذاك الجبل الراسخ الذي لا يميل مع الهوى، بل هو بنيان مرصوص يستند إلى ركائز ثابتة لا تهزها عواصف الحياة، وهذا ما نودّ بحق أن نورّثه لأبنائنا.

xx
كيف يمكننا توريث الإيمان من جيل لآخر؟
إن من أهم وأولى الخطوات التي يكرّس من خلالها أبنائنا وأحفادنا جلّ حياتهم لله تكمن في الصلاة، فمن خلالها نكفل أن يحصدوا خير البذور التي نغرسها فيهم. فنحن لا يمكننا زراعة البذور وإجبارها على النمو، بل نحتاج إلى ريّها والاعتناء بها والكثير من الصبر لنحصد الثمر.

xx
أذكر في طفولتي أن جدّي أخذني ذات مرة إلى حديقته الجميلة وأطلعني على إحدى الشجرات الصغيرة هناك، ولشدة طراوتها، كان قد ثبّت ساقها بأسلاكٍ لدعمها حتى لا تنمو بشكل خاطئ. توقفنا لبرهة عند تلك الشجرة خلال إحدى جولاتنا، وقال لي جدي حينها إن هذا بمثابة تصوير دقيق لكيفية رعاية الأطفال عندما يكونون صغارًا؛ فيقوم الآباء بدعمهم ليساعدوهم على بناء أساس قوي يساعدهم على النمو باستقامة. ومن يومها، لما يفارق ذهني هذا الدرس البسيط، بالرغم أنني لم أكن قد تجاوزت سن السابعة آنذاك. لقد قدّم لي جدي وافر الحب حتى أنه كان يفضل قضاء الكثير مع الوقت في تعليمي ودعمي، تمامًا كما كان يهتم بتلك الشجرة الصغيرة ويدعمها.

xx
حرص جداي على أن يكون إيمانهما قولًا وعملًا. فالجميع يعلم أن الأطفال يتعلمون أكثر من ما يرونه من أفعال مقارنة بما يسمعونه من الكلام. فهم لم يكتفوا فقط بأخذي إلى الكنيسة صبيحة كل أحد، بل كانا ملتزمين بإيمانهما طيلة الأسبوع حتى عندما لا يراهم أحد. وكانا يتوخّون الصدق في كافة تعاملاتهم، وكريمي الأخلاق إذ يرعوا المحتاجين.

xx
الإيمان في زمن الملهيات
يؤسفني الاعتراف بأنه أصبح من الصعب أن نورّث إيماننا إلى أطفالنا اليوم، حيث يبدو زمانهم مكتظًا بالانشغالات. فإن لم يكونوا متمسمرين خلف شاشات هواتفهم المحمولة، فثمة ملهيات أخرى كفيلة بإشغالهم، الأمر الذي أضعف الكثير من مهارات التواصل لديهم.

xx
ولعلّ أبناؤنا يعيشون اليوم في خضم انشغالات تفوق بكثير تلك التي عهدناها في طفولتنا. فيومهم موزّع بين يوميات المدرسة الطويلة والأنشطة المدرسية التي يتعين عليهم إنجازها بعد الدوام، لدرجة أصبح من العجيب أن يجد أحدهم الوقت الكافي للتحدث مع أحدهم بأي أمر، أو أن يتحدث عن الإيمان بالذات. كما أثرت الرياضة والأنشطة المدرسية اللامنهجية أيضًا بشكل كبير على إيمان هذا الجيل نظرًا لاكتظاظ جداولهم اليومية، فبين الواجبات والبطولات، لا يتبقى من الوقت إلا القليل جدًا للعبادات الأسبوعية، إلى جانب الأحاديث العميقة حول المسائل الروحية. لا أنكر هنا أن الرياضة وممارسة الأنشطة البدنية هي أمر صحي ومطلوب، ولكن ليس على حساب صحتنا الروحية.

xx
ترتيب الأولويات
لنأخذ في الحسبان ضرورة ترتيب أولوياتنا بطريقة تمنحنا فرصة لتربية أطفالنا تربية إيمانية. وذلك بأن نضع تعليمات اليسوع نصب اعيننا ونتعلم أن نقول “لا” لانشغالات الحياة، والتي قد تمنعنا من الالتزام بواجباتنا الدينية. عندما نتبع هذا النهج ونطبقه في كافة أمورنا الحياتية، حينها سيرى أطفالنا كيف أننا نضع إيماننا بالله في مقدمة أولوياتنا.

xx
ليحمي الرب ما تخفيه قلوبنا وعقولنا وليبارك لنا في أوقاتنا، حتى نتمكن من الوفاء بالتزاماتنا الدينية ونكرّس حياتنا لمخلص أرواحنا الذي ضحى بحياته من أجلنا. وأقل ما يمكننا فعله في المقابل هو التضحية ببعض الأمور التي قد نفضل فعلها، لنستثمر هذا الوقت في تنشئة أطفالنا وهداهم هم وكل من يضعه الله في طريقنا. 

xx

“إِنَّمَا احْتَرِزْ وَاحفَظْ نَفْسَكَ جِدًّا لِئَلاَّ تَنْسَى الأُمُورَ الَّتِي أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ، وَلِئَلاَّ تَزُولَ مِنْ قَلْبِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَعَلِّمْهَا أَوْلاَدَكَ وَأَوْلاَدَ أَوْلاَدِكَ.” (تث 4: 9).

xx

يمكنكم التواصل مع سونيا سلفيتي على marsonsher@aol.com